المعتقلون يقضون النهار بالملابس العادية
وفي الليل يرتدون البيجاما أو الجلابية
الزيارات في جميع الأوقات ومسموح بمبيت الضيوف مقابل عشرة قروش
الطعام من فندق الكونتننتال
تنظيم «حفلات استقبال» للمعتقلين في السجون يمشون خلالها عراة ويتعرضون للضرب بالشوم
وفي إحدي الحفلات استشهد شهدي عطية وفريد حداد
المعتقلون يعملون في تكسير ونقل صخور البازلت الأسود وهم حفاة والدماء تنزف من أقدامهم
الطعام فول بالسوس وكرنب مسلوق
وبضعة أرغفة وأعشاب غير معروفة
المساجين مجمعون في سلاسل كل سلسلة تضم خمسين معتقلا يركبون القطار فجرا من الجيزة في الطريق إلي أسيوط ومنها إلي الواحات يدخل بعض المعتقلين فقط ويتحرك القطار ولا يزال زملاؤهم المربوطون معهم في السلسلة علي الرصيف يحاولون الجري بجوار القطار حتي لا تفرم عجلاته الجميع.
يعمل المعتقلون في تكسير ونقل صخور البازلت الاسود وهم حفاة وسنون الصخور المدببة تجرح الأقدام وتصيبها بالتسمم
يذكر أحد المعتقلين أنه كان عليهم دائما أن يظلوا في حالة هرولة وألا ترتفع اعينهم عن الأرض خشية أن يأتي بصرهم في بصر أحد الشاويشية أو الضباط فيحدث مالا يمكن توقعه.
وذكر أحد أساتذتي أنهم سلموه بنطلونا للأفرول وقد قصوا ما يستر المؤخرة من قماش الأفرول عمدا ليظل في جيئته وذهابه يداري بيديه مؤخرته.
ذكر الكثيرون أنهم جمعوا المعتقلين في أبي زعبل صفوفا وطلبوا منهم ان يغنوا معا اغنية " ياجمال يامثال الوطنية -لأم كلثوم" فرفض المعتقلون الغناء واتجهت أنظار الجميع إلي الراحل الكبير دكتور اسماعيل صبري عبد الله، الذي رفض بشدة قائلا الأغاني الوطنية جميلة ونحن نحبها ولكن لن نغنيها الا ونحن أحرارا، فانهال الشوم علي الرجل الذي خاطب رئيس المعتقل قائلا : لوكنت رجلا اخرج مسدسك الآن واطلق الرصاص ونزع طاقيته ووضعها بين أسنانه ليكتم الألم.
عند الاستحمام يصطف المعتقلون جميعا وقد خلعوا ملابسهم تماما (الملابس لم تكن سوي افرول من جاكت وبنطلون بلا ملابس داخلية ) ويتقدمون إلي حيث يجلس حلاق يحلق رءوسهم وعاناتهم ثم يقفون تحت ماسورة من المياه.
يعاقب سعد زهران علي ذنب اقترفه بالحبس اسبوعا كاملا وحيدا في زنزانة مظلمة باردة تنشع فيها المياه، مخيرا بين البقاء علي ساق واحدة واقفا، أو ألم البواسير من الجلوس في النشع شتاء
بعد ثلاث سنوات سمح للمعتقلين بتسلم أحذيتهم فقد عاشوا حفاة كل تلك المدة صيفا وشتاء لم يتمكن الكثيرون من لبس أحذيتهم فقد تفلطحت اقدامهم من طول عهدهم بالحفاء.
الخطابات محددة، خطاب كل شهر، ومراقب ومفتوح. ومحتواه واحد "اطمأنوا وطمنونا عنكم " وغير مسموح بالورق والاقلام والصحف والكتب والراديو وأي شيء ويروي المعتقلون ملاحم في كيفية تهريب مسرحية لألفريد فرج مثلا.
أما كيف عاشت أسر المعتقلين لسنوات طوال بلا دخل فانني أعتقد أن الكثير من المعتقلين قد أحجموا عن الحديث في هذا الأمر حياء وخجلا وخاصة حين تكون الزوجة من غير العاملات وتعتمد الأسرة علي راتب الأب المعتقل وحده، فليس من الهين علي الإنسان أن يتحدث عن معاناة شظف العيش لزوجته وأطفاله الصغار. ولكن المعروف أنه كان يكتب أمام اسم المعتقل في كشوف العمل والوظيفة "متغيب" وربما "متغيب بدون سبب"، وبالطبع تفشل الزوجة المنكوبة في استخراج شهادة تفيد فصل الزوج ومن ثم تسوية معاشه، كما تفشل بالأحري في الحصول من السلطات علي مايفيد اعتقاله.
ولنا أن نتخيل حياة امرأة وأطفالها إذا كانوا بلا دخل، خاصة إذا كان المعروف أن منزلها مراقب، وأن السلطات سوف تترصد لمن يمد لها يد العون من الأقارب والأصدقاء.
ارجو ان اكون قد وفقت في تقديم صورة مبسطة عن الاعتقال زمن عبد الناصر- طبعا الاعتقال مستمر للآن، طالما استمر قانون الطوارئ واختفي مفهوم تداول السلطة - وعموما فقد استمر زمن الاعتقال طوال عهد عبد الناصر كله، واتسعت المعتقلات لأجيال من الشيوعيين منذ بداية الخمسينيات حتي وفاة عبد الناصر1970
أما إذا انتقلنا إلي الاعتقال في عهد الملكية والاستعمار فسوف تلفت نظرنا الملاحظات التالية : -
ان الاعتقال كان يتم لفترات زمنية محدودة، أيامًا وربما أسابيع قليلة ولم يعرف ذلك العهد الاعتقال لسنة أو سنوات قصيرة أو طويلة. وقد أخبرني بعض الزملاء من كبار السن أن سنوات اعتقالهم وصلت إلي العشر خلال عشرين عاما من عهد الجمهورية.
إن الاعتقال كان يتم فقط في حالة النشاط الجماهيري الكبير في الشارع أثناء الاضطرابات السياسية فحسب في حالات تغيير الوزارات والانقلابات الدستورية أو التدخل الانجليزي المباشر في القرار السياسي
* ان الاعتقال - في ضوء ما سبق- لم يكن يتم علي خلفية الانتماء التنظيمي أو الانتماء الايديولوجي.
* انه لم يتم اعتقال امرأة واحدة طوال عهد ماقبل ثورة يوليو، بينما اعتقلت العديد من النساء بعدها.
والآن سوف انتقل إلي مذكرات معتقل سياسي في عهد الملكية، وهو الأستاذ محمود المليجي المحامي رئيس حزب مصر الفتاة - أمد الله في عمره وقد أعطاني كتابه "خرابيش علي جدار الزمن "وهو يضم أجزاء من سيرته الذاتية ونضاله السياسي. ويذكر انه في سنة 1946 كان يعمل نائبا لرئيس الحزب الأستاذ الراحل أحمد حسين، وكان الشارع يغلي بالاضطرابات التي اندلعت في كل انحاء مصر عقب نهاية الحرب العالمية الثانية تطالب بالاستقلال. كانت فترة غليان سياسي. اضطر اسماعيل صدقي أثناءها إلي تعطيل عشرات الصحف والمجلات وانزال بلوكات النظام - وهو الاسم الشائع لجنود الأمن المركزي قبل الثورة - لقمع المظاهرات التي جدي أثناء إحداها حادثة فتح كوبري عباس علي المتظاهرين.
المهم أن النظام فكر في ظل حكومة إسماعيل صدقي -وخد بال سعادتك إن إسماعيل صدقي هذا هو الملقب في كتب التاريخ بجلاد الشعب- أن يعتقل بعض النشطاء السياسيين المعروفين بقدرتهم علي قيادة الجماهير "وتهييج الشارع" وهو التعبير الذي تستخدمه الحكومات عادة في مثل هذه الأحداث. فاعتقل بطلنا الأستاذ محمود المليجي مع أعداد من الوفديين والإسلاميين والماركسيين وغيرهم. وكان مقر اعتقالهم سجن الأجانب - ومكانه الحالي مستشفي الهلال الأحمر بشارع رمسيس الآن - ويقول المليجي : كنا نقضي يومنا بملابسنا العادية وفي الليل نرتدي بيجاماتنا أو جلابيبنا التي أخذناها معنا من منازلنا. ولم يكن هناك أي ممنوعات فنرسل العساكرلشراء الصحف والمجلات والأوراق والأقلام والكتب والمأكولات ونصطحب معنا راديوهاتنا ونتحرك بحرية في أنحاء السجن. والزيارات مسموح بها في جميع الأوقات بل إن مبيت ضيوف مع المعتقل كان أمرا مسموحا به، ويقول إنني كتبت طلبا عن رغبتي في أن يبيت أبي معي في غرفتي ولم يكن علي سوي أن أدفع مبلغ عشرة قروش ثمنا للسرير والإفطار كما يقول وكان أبي قد جاء إلي المعتقل وقد أعدت له أمي قفة ممتلئة بالبط المزغط والمحمر وفطير مشلتت وعسل نحل، وفي المساء عزمنا المعتقلين ومأمور وضباط المعتقل علي العشاء وتحول العشاء نفسه إلي ندوة سياسية رفيعة المستوي.
ويقول عندما علمنا بأن الإضطرابات مازالت مستمرة وأن أيام المعتقل شكلها سيطول طلبنا شراء أدوات للزراعة وبذور للنباتات وزرعنا «خيار وخس وجرجير وغيرها» ثم طلبنا من إدارة المعتقل شراء معدات "تنس طاولة" مع المضارب والكرات ورحنا نقضي وقتنا صباحا بالقراءة والزراعة ومساء بلعب" البنج بونج" والسمر. وراحت أعداد المعتقلين تتزايد مع استمرار الأزمة السياسية ووصول مفاوضات" صدقي -بيفن" إلي طريق مسدود فقررت إدارة المعتقل نقلنا إلي معتقل ماقوسة بمحافظة المنيا. وفي المحطة اكتشفنا أننا نسينا أن ناخذ معنا كرات البنج بونج ورفضنا ركوب القطار وراح الناس يلتمون حولنا والضابط المكلف يستحلفنا بالركوب وهو يقسم برأس أبيه بأن الكرات ستلحق بنا في القطار التالي وإزاء رفضنا استدعي ضابطا صغيرا وطلب منه أن يأخذ سيارة ويشتري لنا دستتين من الكرات من صيدناوي العتبة.
وفي المساء تسلمنا حجراتنا في معتقل ماقوسة. ولمعتقل ماقوسة قصة ينبغي تلخيصها، فلمحمد سلطان باشا رئيس مجلس النواب في القرن التاسع عشر وهو من أصل تركي ومنزله مازال قائما بالمنيا وله ابنتان: هدي وقد تزوجت علي شعراوي من أعيان المنيا وهو من أصل تركي أيضا وأصبحت هدي شعراوي - رائدة تحرير المرأة - فيما بعد. وابنة أخري هام بها أحد الإقطاعيين المصريين حبا وراح يعد نفسه للتتزوج منها ببناء قصر منيف علي أحدث وأغلي طراز فالتصميم فرنسي، والمهندسون من إنجلترا والرخام والتماثيل من إيطاليا والسجاد والستائر وأدوات المائدة، حدث ولا حرج. المهم عندما تقدم صاحبنا لخطبة الفتاة رفضه سلطان باشا " فهو لن يزوج ابنته من أحد الفلاحين المصريين مهما كان ثريا" وكان أن زهد ذلك الإقطاعي في قصره الرائع الذي راح يذكره بحبه الضائع فكان أن تركه لتؤجره منه الحكومة وتتخذه معتقلا للسياسيين
يذكر المليجي أن الطعام كان يأتيهم من فندق "ايتاب" الذي أقامه الإنجليز في المنيا ليكون مكانا لإقامة موظفيهم في زياراتهم للصعيد. الثلاث وجبات - مما يتناوله نزلاء الفندق - تأتي بسيارات خاصة بصحبة السفرجية ومدير الفندق وفي حضرة المدير يتولي السفرجية مرتدين الجوانتيات البيضاء خدمة المعتقلين ووضع الطعام حسب مزاجهم في الأطباق التي أمامهم، وكان من واجبات حكمدار المنيا - مدير الأمن -أن يحضر أثناء إحدي وجبات الطعام ليقف بنفسه علي راحة المعتقلين وتلبية جميع طلباتهم.
وفي إحدي المرات حكي أحد المعتقلين من الحرفيين الفقراء، لأحد المعتقلين الكبار كيف يضيق الحال بأسرته التي تعتمد علي عمله باليومية في إحدي الورش الصناعية، وكان أن تداول ذلك المعتقل من الأثرياء مع بقية المعتقلين في كيفية حل مشكلات أسر الفقراء من المعتقلين العمال والحرفيين والفقراء، فاستقر رأيهم علي استبدال وجبة من الفول والطعمية صباحا بإفطار الكونتننتال المكون من الزبد والجبن والمربي وعسل النحل، وأبدوا رغبتهم تلك لحكمدار المنيا، وفي الصباح جاءهم مدير الفندق هلعا مخافة أن يكون هناك مايدفعهم للغضب من طعامه وربما استبدال طعامه كله بطعام آخر، وعندما هدءوه معلنين أنهم فقط يريدون أن يكون فطورهم من الفول والطعمية، قال لهم إذن استطيع أن أضيف الفول والطعمية إلي الإفطار الكونتننتال، فقالوا له بصراحة إننا نريد أن نفطر فول وطعمية لكي نأخذ فارق السعر بينهم وبين الكونتننتال، وكان ما أرادوا وأصبحوا يتقاضون كل يوم بضعة جنيهات كانوا يقومون بتوزيعها علي المعتقلين الفقراء حسب دورة اتفقوا عليها
وعندما طالت أيام الاعتقال طالب المعتقلون بالخروج في نزهات محددة فهم ليسوا مساجين، ووافق الحكمدار علي أن يصطحب بعض الضباط المعتقلين في مجموعات إلي بعض الأماكن التي تصلح للنزهة في مدينة المنيا وبعد مرة أو اكثر اعترض المعتقلون علي مصاحبة الضباط لهم بقولهم: إنهم ضباط معروفون في البلد ولذلك فسيتصور من يراهم انهم بصحبة بعض اللصوص أو القتلة من الاشقياء المساجين ولذلك فهم يرفضون مصاحبة الضباط في رحلاتهم. وكان ان اتفق الحكمدار معهم علي ان تأخذهم العربات إلي ميدان المحطة في المنيا، حيث يهبطون منها ويتوجهون إلي حيث يريدون لعب الطاولة والشطرنج في بعض القهاوي أو الاندية أو ارتياد بعض البارات أو الجلوس علي متنزهات في النيل، أو تناول العشاء في احد المطاعم. وعندما تصل الساعة إلي الثامنة فعليهم العودة إلي السيارات التي تصحبهم مرة ثانية إلي المعتقل " وفي إحدي هذه الجولات هرب المعتقل -الرئيس السابق انور السادات- هذه هي باختصار حياة المعتقلين في زمن الطاغية فاروق -ولكي لا اتهم بانني رجعي متخلف فانني اقول ان الامر في هذا الاعتقال الهادئ اللذيذ لا يعود إلي انسانية ورقة مفرطة من حكام ذلك الزمان، كما لا يعود إلي أنهم كانوا يخشون حساب الله علي معاملتهم لمحكوميهم من البشر وانما الامر كان امر آليات سياسية وقانونية فقد كنا في زمن تداول السلطة بين الحكام والاحزاب ومن هنا فربما كان أحد المعتقلين من قيادات الوفد، وربما حدث في الامور امور تؤدي لخروج ذلك المعتقل الوفدي من المعتقل إلي حيث يحلف يمين الوزارة امام الملك، وبالطبع سيكون أول ما يفعله ذلك الوزير هو محاكمة الضابط الذي اهانه فترة الاعتقال ولو باللفظ أو حتي الاشارة، وكانت القوانين تسمح بذلك ولاعجب.
وفي النهاية اريد ان اذكر تلك العبارات الدالة في المقارنة بين الاعتقالين والتي ذكرها الراحل النبيل "الاستاذ السيد يوسف" في كتابه مذكرات معتقل سياسي، يقول السيد يوسف: قبل ثورة يوليو كان إذا اعتقل احد المواطنين أثناء مظاهرة تهتف بسقوط الملك أو جلاء الاستعمار وبات ليلة واحدة في تخشيبة احد اقسام البوليس، يخرج ابناء حارته جميعا عن بكرة ابيهم ليستقبلوه بالطبل البلدي ويخلعون عليه لقب "المجاهد الوطني" ويصبح منزله كعبة لعشاق الوطن ويصبح الجلوس إليه وشرب الشاي معه شرفا لكل من يناله
اما بعد ثورة يوليو فقد كانت فترات الاعتقال الطويلة والرهيبة تلقي بظلالها الكئيبة علي المعتقلين -إذا اختاروا الابتعاد عن الدولة - فيتوجس منهم اقرب الاقارب ويخاف الناس حتي من القاء السلام عليهم ويحجمون عن التقدم للزواج من بناتهم أو ابنائهم، وهكذا تلقي سنوات الاعتقال الرهيبة بظلالها الكئيبة علي المعتقلين حتي الجيل الثالث.
هذه صفحات ليست ملونة وانما ابيض واسود من صفحات تاريخنا الطويل علينا ان ندرسها ونتأملها جيدا لعلنا نؤمن لابنائنا اعتقالا مريحا في المستقبل
كاتب المقال: دكتور كمال مغيث/ جريدة البديل
حبيبتى امانى.ربما كان المقصود فى مقال دكتور كمال مغيث المعتقلين السياسين من قبل الحكومة المصرية فى عهد الملك، وليس المقصود المعتقلين السياسين من قبل قوات الاحتلال البريطانى. فمن المعروف ان قوات الاحتلال الاجنبى ليس فى قلبها شفقة ولا رحمة بأحد. وما معتقل ابو غريب فى العراق الا مثال بسيط عليها









said:










من البحرين