هناك شيء يقال له: الذوق أو الكياسة والمجاملة، وعكسه تماماً ما يقال له: الجلافة أو الصفاقة أو قلة الأدب ـ لا بمعناها الأخلاقي ولكن بمعناها التعاملي ـ
وما أكثر الأمور والحوادث التي تمر يومياً وتتعاقب على الناس في تعاملهم مع بعضهم البعض، كأن تسير مثلاً خلف واحد يفتح باباً (مروحياً) ولا ينتظرك ممسكاً بالباب حتى لمجرد ثانية واحدة، ولكنه يفلته بكل صفاقة وكأن شيئاً لم يكن، وإذا لم تنتبه وتتدارك فقد يخبط الباب وجهك.. وبعضهم قد تفتح قبلهم الباب وتظل ممسكاً به إلى أن يدخل، فيتعداك دون أن ينظر إليك أو يقول لك شكراً، وكأن هذا هو واجبك أن تفتح له الباب كأي بواب
وفرق كبير أن تجلس منتظراً دورك في عيادة طبيب، وعندما يحين دورك، هناك فرق كبير بين ممرضة تقول لك بوجه متجهم: تعال إلى هنا، وكأنها تأمرك، وبين ممرضة أخرى تبتسم لك قائلة: لو سمحت تفضل.. فالغاية واحدة والنتيجة قد تكون واحدة، غير أن الأسلوب مختلف. ومن أمر الممرضة الأولى قد تذهب للطبيب والضغط لديك مرتفع، ومن ابتسامة الممرضة الثانية قد تود (الدردشة) معها قليلاً قبل أن تدخل للطبيب.. ومع الأسف فالأنانية أخذت تضرب اطنابها، إلى درجة أن احد المراقبين يفسر المسألة بقوله: إنها (أنا) ضد (هم).
ولكي اضرب لكم مثلاً بالأنانية، وقد كنت احد أطرافها الأربعة، وكنا في محطة للقطارات، وكنت الوحيد بينهم الذي لدي ثلاث حقائب، حيث كنت ذاهبا إلى بلدة سوف امكث بها عدة اشهر، وكانت اثنتان من حقائبي ثقيلتين جداً مما اضطرني لسحبها، والثالثة معلقة على كتفي، وكان لزاماً عليّ أن اصعد السلالم وان اهبط منها لأنزل للرصيف المقابل، ولم يكن هناك لا عربات ولا حمالون، وكان هؤلاء الثلاثة رفقاء السفر, ليس معهم أية حقيبة ملابس، اللهم إلاّ حقائب أوراق خفيفة، ولم يكلف ولا واحد منهم نفسه ليعرض عليّ مساعدته، وكانوا يشاهدونني أتأرجح مع حقائبي يمنة ويسرة، يكاد ساعداي يتمزقان من شدة التعب، ومع ذلك كانوا يتمازحون ويتضاحكون ويدخنون، طبعاً حقدت عليهم، ويحق لي ذلك، إذ بعد تلك السفرة قاطعتهم ولم تشاهدهم عيناي حتى الآن.
ومثال آخر على قلة الأدب، رواه لي احد المعارف ويقول: بينما كنت أقف خلف احدهم في باريس على رصيف احد الشوارع أمام (كشك) للتلفونات، وذلك قبل أن يخترع (الموبايل)، وكانت في الداخل فتاة تحاول الاتصال ويبدو أن الخط كان مشغولاً، ومن حسن أخلاقها فتحت الباب للرجل الذي كان أمامي ليتصل لأنها لا تريد أن تعطله، ووقفت هي أمامي، وانتظرنا خمس دقائق، وعشر، وثلث ساعة بدون مبالغة، وهو يتكلم ثم يغلق ثم يعود ليتكلم، وعندما عيل صبر المسكينة أخذت تنقر على الباب الزجاجي بإصبعها، وإذا به يفتح الباب قليلاً ويقول لها: لقد أزعجتني، هذا تلفون عمومي وأنا أتكلم به غصبا عنك ولا استأذن منك، واذهبي وابحثي عن تلفون آخر، ثم (رزع) الباب في وجهها.
بينما كنت أتسوق بأمان الله في أحد المتاجر الكبيرة، وكنت على وشك النزول من الدرج، وإذا بطفل لا يتعدى عمره الرابعة يعبر أمامي كالعاصفة وهو يلتفت للخلف غير منتبه للدرج الطويل، فما كان مني إلاّ أن أمسك به من ذراعه وأتداركه في آخر لحظة قبل أن يسقط ويهوي، وأخذ المسكين يرتجف من شدّة الخوف لأنه أدرك بعقله الصغير أنه نجا من كارثة محققة
وما هي إلاّ دقيقة وإذا بوالدته تأتي راكضة، وبدلاً من أن تشكرني أخذت توبخني قائلة: صحيح ما عندك أدب، كيف تمسك الولد بهذه السرعة وكدت أن تخلع كتفه، وجع في وجهك، تفاجأت من صوتها العالي المزعج، الذي جعل الناس يتجمعون حولي، ويتعاطفون مع كلام هذه الأم الظالمة من دون أن يستوعبوا الموضوع، بل إن بعضهم تلفظ بكلمات مبهمة لم أستوعبها، ولكنها بكل تأكيد ليست في صالحي، وكنت طوال الوقت صامتاً من هول الصدمة، وكل ما فعلته أنني أخذت انظر لتلك الأم متعجباً، فما كان منها إلاّ أن (ردحت) لي قائلة: لماذا تنظر لي هكذا، تعال كلني
لا حول ولا قوة إلاّ بالله، ماذا أفعل بتلك (الوليّة)، التي بدأت كلامها متهمة إياي (بقلة الأدب)، وأنهته وهي تدعوني لكي (آكلها)؟
هل أفعلها؟!، هل أصبح من آكلي لحوم البشر؟









said:


said:

said:

said:


said:

said:




said:







من مصر